حبيب الله الهاشمي الخوئي
236
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
أشقى منك فانطلق إلى مالك يريكه ، فانطلقت إلى مالك فقلت : السّلام يقرئك السّلام ويقول : أرني من هو أشقى منّى ، فانطلق بي مالك إلى النّار فرفع الطبق الأعلى فخرجت نار سوداء ظننت أنها قد أكلتني وأكلت مالكا ، فقال لها : اهدئى ، فهدأت ، ثمّ انطلق بي إلى الطبق الثاني فخرجت نار هي أشدّ من تلك سوادا وأشدّ حمى فقال لها : أخمدى ، فخمدت ، إلى أن انطلق بي إلى السابع وكلّ نار يخرج من طبق يخرج أشدّ من الأولى فخرجت نار ظننت أنها قد أكلتنى وأكلت مالكا وجميع ما خلقه اللَّه عزّ وجلّ فوضعت يدي على عيني وقلت : مرها يا مالك أن تخمد وإلَّا خمدت فقال : أنت لم تخمد إلى الوقت المعلوم ، فأمرها فخمدت ، فرأيت رجلين في أعناقهما سلاسل النّيران معلَّقين بها إلى فوق وعلى رؤوسهما قوم معهم مقامع النيران يقمعونهما بها ، فقلت : يا مالك من هذان فقال : أو ما قرئت في ساق العرش وكنت قرأته قبل أن يخلق اللَّه الدّنيا بألفي عام لا إله إلَّا اللَّه محمّد رسول اللَّه أيّدته ونصرته بعلىّ ، فقال : هذان عدّوا ذلك وظالماهم . ثمّ إنّه حذّرهم عن التلوّن في الدّين فقال ( فإياكم والتلوّن في دين اللَّه ) تحذير لهم عن عدم الثبات على خلق واحد في أمر الدّين وعن التقلَّب والتذبذب في أحكام الشرع المبين . والظاهر أنه راجع إلى جماعة بلغه عليه السّلام من بعضهم توقّفهم في بيعته كعبد اللَّه ابن عمر وسعد بن أبي وقاص وحسّان بن ثابت وأسامة بن زيد وأضرابهم ، وعن بعضهم إرادة النكث والنقض للبيعة بعد توكيدها مثل طلحة والزبير وأتباعهما . ومرجع هذا التحذير في الحقيقة إلى التحذير عن النّفاق ، لأنّ المنافق لا يستقيم على رأى واحد . وقد ذمّ اللَّه المنافقين على ذلك بقوله * ( « مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَه ُ سَبِيلًا » ) * وقال أيضا * ( « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ » ) *